الطاولة رقم ثلاثة..!!
دخل المطعم وأدلى السلام على النادل المتبسمر على يمين البوابة..
– اردد عليه التحية.. ورحب به..
وكعادته وكما كان متعوداً عليه كادر المطعم.. اختار المنضدة رقم(3).. والتي تجابه ضفة النهر.. وجلس.. ثواني حتى حضر النادل(الخادم).. ودار الحوار الأتي:
- تفضل يا سيدي(قائمة بالمأكولات)- لم يأخذ الكتيب(القائمة) وأجاب عليه:
- لابد انك تعمل حديثا هنا.. ولا تعرفني؟
- نعم يا سيدي.. لا هزئا بك.. لكن هذا واجبي..
- بارك الله فيك.. اخبر الطاهي عن(رجل السفرة 3).. وهو سيجهز الوجبة.
- آمرك سيدي.. حالاً- وانصرف.
انصرفت، وهشمت طريقاً معدا وشديد، كانت تغذي بطين روحه.. وتضمد انكساراته ونكساته، وتداوي جروحه.. "كانت بلسمه"..
كان يحبها بصدق أشبه بصدق موسى النبي(ع) لشعبه.. وصبر عليها كصبر أيوب(ع).
فأصبته الخلابة والنزوع والشجو بعد ثلاث سنوات من شجن غريب يكبر بكل ثانية.. كشجرة برية وكلما مر الوقت كان تولهه يتخمر.. ليكون ثمرة ناضجة قبل أوانها.
ولكن مكالمة هاتفية استبدلت الموازين والاعتقادات وكل شيء.. مكالمة صوتية فقط.. آدت إلى تقويض الطريق وهجرانه.. وأزالت مشاعرٌ شفافة ومحت(الحبُ)، حب صعبٌ زواله من ذاك القلب الطيب... – وتزامن الاتصال الهاتفي في ذكرى ميلاده وبعد ثلاثة أعوام من التيتم بجواها والتيه بحبها -.
كانت علاقتهم في البداية علاقة صداقة وأفرط.. ورغم هذا وخلال هذه السنوات الخوالي شبع أفكارها ومسمعها أجمل القول وأكفأه، وكل خبراته واغلب الكلمات والجمل.. عدا كلمة واحدة عدد حروفها اصغر رقم زوجي، وترمز لشيء صغير ويصبح كبير (الحبة أو البذرة).. أو بالفحوى الأصح...((الحــــب)).
كان مبتهجا في ذكرى ميلاده لا لأجل المناسبة بل لأجل هذا اليوم الذي انتظره مرارا ليقول لها بشحنات وبمصبوب وفحوى قلبه.. وعقله.. وروحه.
ولكن هكذا انتهت القصة بهذا الاتصال الاهاتفي:
- (.............) يتصل بك..
- أنها هي.. رفع السماعة
- مرحبا.. كيف حالك..؟
- أهلا.. إذا كنت بخير فهذا هو حالي أيضاً.. ماذا عنك أنتي؟!
- الحمد لله.. عيد ميلاد سعيد.. وكل عام وأنت بألف خير وأتمنى لك النماء والهناء وان تصل إلى مبتغى قلبك...
- شكر.. دامت أيامك أفراحا.. هذا جميل منك أنتي أول من هنأني...
- حقا.. "هذا لأنك عزيز علي"...
- لقد اختصرتِ الطريق لي.. فانا أريد آن أخبرك بشيء هام جداً..
- وما هو هذا الشيء لقد شوقتني..(هي داريا بما يحتويه فؤاده)
- صمت لثواني.. انزل ستار جفناه.. وبهدوء.. نطق... (ا.. احبــــ... احبـــــك يا......)...، وقبل أن يكمل أخر حرف من اسمها.. قالت:
- أنا أيضا-( في هذه الأثناء ائتلقت عينيه.. من دموع الفرح المتجمهرة في محيطها.. وتوقف نفسه بشهيق طويل في صدره)-... أكملت حديثها.. لكن حبي لك كحبي لأخي!!!
- ازفر هواء صدره وكأنه نار من ثغر تنين يخرج.. و رد بكلمات لا يعرف من أين خرجت ومن الذي وجهها.. (أنا أيضا).. فتباطأت دقات قلبه بل كادت أن تتوقف وانهمرت مناهل الدموع من غرائز أحداقه وتحولت دموع الفرح الباردة إلى دموع حزن ملتهبة كأنها جرف سائل البركان تحرق وجنتاه... أكمل كلامه بكلمات شبه مقطعة وغير مكتملة وقال: هذا.... ماكنتــــ ... أضنه............... دائمـــــاً.. أسف لكن يجب أن اذهب ألان..
- حسنا ارجوا أن.... - قاطعها دون أن يسمع جوابها.. وقال: الوداع...!... ثم اقفل الخط دون أن يسمع ردها على هذه الكلمة.
جاء النادل: سيدي تفضل هذه هي وجبتك...
- شكرا..
-عفواً.
يوسف البوتاني
14/8/2008
سلامي السنيورة