السرعة!
استفاقت(أم فلاح) مع بزوغ الفجر.. وكالعادة أعددت وجبة الفطور لولديها(فلاح) و(صلاح) "المعاق عقلياً" وكست بدنها بعباءتها السوداء واتجهت إلى صوبتها(دائرة رعاية عوائل الشهداء) منذ الساعة السابعة من صبيحة الاحد31/6/2007 - نهاية الشهر- يوم تسليم رواتب إعالة عوائل الشهداء.
كانت أم فلاح امرأة مسنة صقلتها الحياة وأرغمتها لتكون ابــاً وليس امــاً لعائلة يسمي الناس شخوصها "باليتامى" تحديداً حين أصبح أبا فلاح شهيدا للوطن.
خرجت أم فلاح من الدار وهي تتمايل يمينا ويسارا ليس من ثقل وزنها وإنما من ثقل الأيام وكثرة الأحزان والتعب الجسدي والنفسي...
ركبت الحافلة(الباص) وبعد حين وصلت إلى المكان المؤشر عليه مسبقاً.. رفعت رأسها ليستقيم شعاع بصرها ويصطدم بطابور مديد من الناس المتراصين والمصطفين الواحد تلوا الأخر وهم أشبه بطول نهر الفرات.. واغلبهم كبار في السن.. والبعض لا يقوى على الصبر طويلا ولكن الأغلبية من الجماهير بقت ولم تستسلم فانضمت أم فلاح إليهم.. وكعادتها كانت قوية ووافرة الصبر فتحدت الحقب والظرف... فهي كانت بحاجة ماسة "للمادة" فهذه النقود(الراتب الشهري) تلبي جزء بسيط من علاج صلاح والقليل من متطلبات فلاح الدراسية..- فقد كان فلاح وتحديدا في هذه المدة بانتظار نتيجة تخرجه من الجامعة- رغم ذلك كانت أم فلاح تعمل في بيتهم وتخبز الخبز للناس مقابل مبلغ بخس.
مرت ساعات وأصبحت الساعة الثانية بعد منتصف النهار، وبدأ الطابور البشري يقل وينفذ من الناس.. إلى أن وصل الدور إلى أم فلاح.. وفجأة!!.. وقف حارس البوابة أمامها مباشرة(كالوحش).. وقال:"هيا ارحلوا ألان!! انتهى وقد الدوام اليوم.. احضروا في اليوم ذاته من الأسبوع المقبل"..
حزنت أم فلاح حزنا جما، فهي كانت مكدودا تماما من الوقف المستمر.. جرت بخطاها الغير متزنة البطيئة إلى الوراء وعادت أدراجها إلى البيت.
وبعد أسبوع عادت أم فلاح كما كان مفترض.. وأدلفت نفسها بالطابور المروع.. وانتظرت طويلا حتى وصلها الدور فدخلت إلى المكان المعني.. وخرجت منه بمغبة ايجابيا حيث استلمت المبلغ المتكون من بعض العشرات من الألوف.. وهي مبتهجة ومسرورة جداً.. وعلى عكس كل مرة كانت خطوتها سريعة ومتزنة، تريد العودة إلى المنزل بسرعة.. وبينما هي تعبر الشارع الكبير(العام) كي تستقل سيارة أجرة وتعود للمنزل.. حدث شيء لا يتمناه فلاح وصلاح وكل من عرف هذه المرأة الحسنة....
-وسط الشارع- سيارة تسير بسرعة(120) كيلومتر في الساعة، أو كانت تطير كالصاروخ... تلاقت مع أم فلاح وخبطتها.. فرمت بجسد السيدة(سهيلة) أو أم فلاح عالياً... وقذفت بروحها إلى السماء لتستقر عند زوجها الشهيد.. فتطايرت أوراق النقود حولها كالفراشات والعصافير وكأنها تحمل روحها الطاهرة إلى مملكة الخلود..
توقفت السيارة.. ترجل شابان منها واقتربا من جثمان السيدة الطاهرة، وقلوبهم تضخ الدماء بقوة وأبدانهم ترتعش وترتجف!!.
فقال الشاب الذي كان بجوار السائق: ماذا فعلت يا فلاح؟!.. الم اقل لك أن تقلل السرعة.. فاقتربا أكثر.. حتى أصبح فلاح قريبا للجثة قرب رأسه إلى قدمه.. فأستقر نظر فلاح على(أمه)!! وتجمدت أوصال جسده.. وثبتت حركة جفناه.. ووسعت عيناه وانفتح حنكه.. ودخل في دوامة فكريا مشوشةٍ بالإحداث.. تجمعوا الناس حوله وصاروا يشتمون ويؤدبون به، والبعض يقول يجب أن يحاسب والبعض يقول انه مجرم.. فوضع صديقه يديه على عاتقه.. وقال: الم اقل لك أن......... ماذا فعلت بنا؟؟!! –فقد كان فلاح قد طلب من صديقه أن يقود هو السيارة التي يملكها صديقه كي يعودوا من الجامعة للبيت بسرعة ليفرح أمه بتخرجه وبنتيجته الممتازة...- احمر جاسوساه.. وتخللته رعشه في جسده وانتابه إحساس غريب وكأن جسده مسمار دق في جدار إسمنتي..!!
وفجأة صرخ بصوت مدوي.. وصاخب..( امـــــي.. امــــي لا ترحلي أرجوكِ ... أنا اســــــف.. اســف.. اسف)!!
فكان هذا الصراخ وهذه الكلمات الأخيرة لفلاح في هذا العالم الهائل، ليتحول بعدها إلى رمق وعالم مجهول وغريب..- فقد كانت الصدمة قوية جداً عليه- وأصابه ما أصاب أخاه(صلاح)... "اختل عقليا.. وجـــــن"!.
يوسف البوتاني
10/8/2008